السبت، 22 أغسطس 2020

قصة ذو القرنيــن الجزء الثاني الأخير

 


يأجوج ومأجوج وبناء السد:

وإذا هو ذو القرنين بجيشه وسط سهول الصين يجد ممر بين جبلين عظيمين وجدوا خلف الجبلين أمة مؤمنة مسالمة لا يتكلمون بغير لغتهم، وكانت الفتحة بين الجبلين لا تجلب لهم إلا البلاء والشقاء من قبيلتين تسمى إحداهما “يأجوج” والأخرى “مأجوج”، فكانتا تلك القبيلتين يفترسون الحيوانات والناس وكل ما هو ينبت على الأرض، وكانوا لا دين لهم ولا حضارة، وكانت تلك القبيلة المؤمنة مرحبة بذي القرنين وجيشه، وعندما أعلنوا إيمانهم بالله ودين ذي القرنين طلبوا مساعدته وإعانته على تلك القبيلتين، وأخبروه عن القبيلتين وعن سرعة تناسلهم وأعدادهم الهائلة، وعرضوا على ذي القرنين أن يدفعوا له مقابل مساعدته على التخلص من القبيلتين، ولكن ذو القرنين رفض وطلب منهم أن يساعدوه بقوتهم فقط فهو لا يريد مال ولا سلطة وإنما تحقيق السلام والعدل في شتى بقاع الأرض، فطلب من مهندسي الجيش أن يبنوا سدا في تلك الفتحة بين الجبلين وأن يحجبوا القبيلتين عن العالم، وبالفعل صب الحديد ووسطه الفحم في الفتحة بين الجبلين وقام بإشعال الفحم، ومن ثم صب النحاس المنصهر ليصبح أقوى سد عرفه التاريخ.

وكان السد عالي ألمس لا يستطيعون تسلقه، وبالفعل حجب قبيلتي يأجوج ومأجوج عن كل العالم، قال تعالى: “حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا، قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا”، ولما انتهى من السد نظر ذو  القرنين للسد سبح بحمد الله وشكره على ما وهبه من علم وحكمة ونعمة وهمة عالية، وبذلك الفعل خُلد ذكر ذي القرنين في كتاب الله عز وجل إلى يوم يبعثون.

وكما نعلم جميعا أن يأجوج ومأجوج من العلامات والأشراط الكبرى لقيام الساعة، فهم أكثر خلق الله شرا على الأرض، فإنهم يعيثون في الأرض الفساد ولا يتركون رطبا ولا يابسا إلا وأطاحوا به، وبمساعدة الملك ذي القرنين تم تخليص البشرية من شرهم إلى أجل لا يعلمه إلا الله.

وصية ذي القرنين إلى أمه عندما شعر بدنو أجله:

لقد جاب الأرض جميعها من مشارقها إلى مغاربها وعندما وطئت قدمه بابل شعر بدنو أجله، فلم يتذكر شيئا إلا حزن والدته عليه فقد كان كما جاء ذكره وحيد والدته، فقام بإرسال كبش ومعه رسالة إليها، وقد كتب بالرسالة: “أماه إن هذه الدنيا ما هي إلا أجال مكتوبة ولكل منا أجل معلوم، وإذا بلغكِ أجلي فعليكِ بذبح هذا الكبش وصنع طعام منه، ثم ادعي كل من حولكِ للطعام إلا من فقد عزيزا على قلبه”.

وبالفعل جاءها خبر وفاته، فعمدت إلى تنفيذ وصيته حرفيا، ولكن لم يقدم أحد إليها فعلمت حينها أن كل قد فقد عزيزا على قلبه مثلها، فأيقنت حينها ما أراد ولدها أن يوصله لها من عزاء في رحيله عنها.

قصة “ذو القرنيــن”

 

  الجزء الأول

هي قصة عبد صالح طاف الأرض من مشارقها إلى مغاربها حتى لقب بذي القرنين، وقال آخرون أنه لقب بذلك الاسم نسبة لضفيرتين من الشعر في رأسه، وقال آخرون نسبة لتاج فوق رأسه، وفينا يلي جرد لأحداث قصته:

دعوته في قومه:

كان قوم ذي القرنين اعتادوا الذل والهوان والعيش كعبيد، فكان كلما دعاهم إلى الحرية وعبادة الله وحده أنكروا عليه دعوته لخوفهم الشديد من علم الملك الظالم، بل وحاولوا تحذير ذي القرنين بأن الملك إذا علم أمر دعوته فسوف يرسل جيوشه لتلك القرية  ليسحقهم جميعا، هنا علم ذو القرنين أن الملك سلب القوم الحرية والإيمان بالله والوقوف ضد الظلم، ولكنه لم ييأس ومع مرور الوقت ازداد قوة وإصرارا، وعزم على تغيير حياة قومه حتى يستعيدوا مجدهم وحريتهم ورجوعهم إلى الله، وازداد في دعوة قومه وبث روح الإيمان بالله في داخلهم من جديد، ولكن ازداد الناس نفورا وسخرية منه، ولكن ظل ذو القرنين ثابتا على دعوة قومه.

الرؤيا وهداية القوم:

وفي ليلة نام ذو القرنين وإذ يرى رؤيا في منامه من أعجب الرؤى، لقد رأى أنه أقترب من الشمس في سمائها العالية أو أنها هي الشمس من اقتربت منه لدرجة أنه استطاع الإمساك بقرنيها، فاستيقظ مذهولا وقص رؤيته على أتباعه القليلين، وكان هو مستبشر بتلك الرؤيا فهي شرحت صدره وجددت بداخله الأمل في النصر، وقد فسر بعض الحكماء رؤياه بأنه سوف يكون ملكا ويكبر في الحكم حتى يملك الأرض من مشارقها إلى مغاربها، وكان قد فسر أهل قومه بأن الملك سوف يعلقه من قرني رأسه، ومن هذا الوقت أصبح ينادى بذي القرنين، وبمرور الوقت استمر في الدعوة إلى الحرية حتى ازداد أنصاره، وذاع صيته في قومه حتى ولوه زعيما وقائدا لهم.

محاربة الملك:

كانت البلاد كلها تخضع لحكم ملك جبار، فكانت كل تلك البلاد ترسل أموالا خراجا لذلك الملك الكافر من كل عام، وحين حضروا رسل الملك بعد تولي ذو القرنين أمر قومه، قام بطردهم وبعث رسالة للملك معهم توحي بعدم الخضوع له مرة أخرى، وعندما قرأها الملك استشاط غضبا، ولكن عندما علم أن من أرسلها هو شابا فأرسل له رسالة يستهزئ به، ولكن ذو القرنين أرسل له رسالة توحي بالحرب وأنه سوف ينزله من الحكم ويتولى هو مكانه، فنادى ذو القرنين في قومه أن يستعدوا للحرب، وعندما علم قوم ذلك الملك بقوة جيش ذو القرنين أرادوا من الملك أن يتم الصلح ولكن الملك غضب غضبا شديدا وقرر الحرب وملاقاة جيش ذي القرنين، وعندما تلاقى الجيشين انهزم جيش الكافرين وقائده الملك الكافر، وبذلك حرر ذو القرنين بلاده والبلاد المجاورة من بطش ذلك الملك الظالم.

رحلته من المغرب للمشرق:

عزم بعد ذلك ذو القرنين على تحقيق رؤياه التي رآها في منامه، فاتجه نحو الغرب حتى وصل إلى حدود الأرض وبلغ قرن الأرض الغربي، فوجد هناك أمة يعيشون في الكفر، ولكن الله مكنه منهم وكان باستطاعته أن يعذبهم جميعا، ولكنه اختار طريق الهداية والنصح، وكان ذو القرنين يعرف ما أعطاه له من عزيمة وقوة واجتهاد فنصحهم لدين التوحيد وبنى مسجدا لهم، والذين ظلوا على الكفر هم الذين نالوا العذاب حتى يردوا إلى الله لينالوا عذابهم في الآخرة، قال تعالى “إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا، قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا”؛ واستمر الزحف بجيشه حتى وصل لقرن الأرض الشرقي وكان يمر على أمم كثيرة يهديها إلى دين الله ويحقق فيها السلام والعدل، وبعد كل تلك البلاد لم يجد بلاد أخرى ليغزوها ويضمها إلى ملكه فعاد بجيشه إلى سهول الصين الواسعة.